وين إذنك ياوزارة التربية
كان هنالك شخص اسمه حبشي سألوه مرة وين إذنك؟ فمدّ يده اليمنى من فوق رأسه ليمسك بأذنه اليسرى! هذا حقيقة حالة وزارة التربية والتعليم الموقرة التي نجدها في أحايين كثيرة تستخدم نظرية حبشي في الوصول إلى الإجابة على مشكلات التعليم التي تعاني منها.
وما مشكلة تعليم الصفوف الأولية من قبل معلمات إناث لأنهن أفضل للتعامل مع الأطفال إلا مثال واضح على نظرية حبشي حينما تتعامى الوزارة وتصم أذنيها عن سبب مشكلات الصفوف الأولية التي تعاني منها الوزارة وهي أصلا من تسبب في حدوثها ونسج خيوطها واحدا بعد الآخر وبدأت قصة تدني مستويات طلاب الصفوف الأولية حينما قامت بعملية السعودة بشكل سريع جداً ودونما تدرج ثم حينما كانت تشرف على كليات المعلمين الذين قصرت في برامج تأهيلهم ثم وضعت نظام الحوافز لمعلمي الصفوف الأولية لتشجيع المعلمين على التوجه لها بعدما كانت تعاني من عزوف المعلمين عن الصفوف الأولية حيث كانت توكل إلى آخر معلم يباشر في المدرسة وإلى المعلمين غير السعوديين الذين رغم خبرتهم وكبر سن الكثير منهم لم يكونوا يرفضون تكليفهم بتدريس الصفوف الأولية أضف إلى ذلك إقرار نظام التقويم المستمر الذي يعتمد بالدرجة الأولى على معلم كفء ، أما المعلم المتهاون فإن النظام أقرب لأن يكون تدمير مستمر- كما يعبر أحد التربويين- بيد المعلم غير المدرب وغير المؤهل.
إذا فنحن أمام أسباب خطيرة ومهمة كلها من صنع الوزارة التي أقرتها بشكل متعجل وغير مدروس وهي :
1-السعودة المتعجلة وغير المدروسة والتي خسرنا معها خبرات تربوية مهمة من الأساتذة العرب الذين ساهموا في تعليم أجيالنا الأولى التي مازلنا نفخر بها حتى الآن–على عيوب نعرفها في بعضهم- (وللأسف أن النوادي الرياضية أعادت نظام اللاعب الأجنبي ليرفع مستوى زملاءه ويستفيدوا من خبرته).
2-رفع مستوى معاهد المعلمين إلى كليات تربية مع عدم الارتقاء ببرامج وخطط هذه الكليات وعدم إحضار أساتذة متمكنين إلا في حدود ضيقة لا تشكل أثراً مهماً.
3-تطبيق نظام التقويم المستمر بشكل غير كامل ومازال الميدان يعاني منه حتى الآن ويمكن ملاحظة بعض أثاره في الخطط والقرارات والتعاميم التي تنظم حضور الطلاب في نهاية الفصل الدراسي وتعالج الطلاب المتعثرين.
4-تطبيق نظام الحوافز لمعلمي الصفوف الأولية والذي جعل كثير من المعلمين غير الأكفاء يتجهون إلى الصفوف الأولية ثم قامت الوزارة بسبب ذلك بمحاولة زيادة ضوابط لهذه الحوافز مما سيؤدي إلى نفور كثير من المعلمين عن الصفوف الأولية.
5-الحراك الاجتماعي السريع والذي واكب ثورة التقنية وتأثر به كثير من الطلاب الذين أصبحوا فيما بعد معلمين بينما الوزارة ثابتة في مكان واحد بدون بذل أي جهد حقيقي لمواكبة المجتمع وكل ماقامت به الوزارة لايتعدى ردات الفعل التي فرضها عليها الحراك الاجتماعي بما فيه وسائل الإعلام التي حاولت مواكبته بشكل أسرع منذ بدايته-وهذا عائد إلى طبيعة الإعلام ودوره وسهولة حركته.
هذه أيها الأخوة قصة ضعف أداء معلمي الصفوف الأولية التي سببت كثيراً من المعاناة والتي أوحت للوزارة بإيكال تدريس الصفوف الأولية إلى معلمات،فمن السبب في المشكلة ؟ أليست وزارتنا الموقرة.
علماً بأن حل هذه المشكلة سهل وميسور ولدينا في الميدان التربوي مديري مدارس ومشرفين تربويين يمكنهم وضع حلول لهذه المشكلة وكلما جالست مدير مدرسة أو مشرف صفوف أولية فتح لي أفاق تربوية تسهم في حلول وليس حلاً واحداً.
إذاً فأين المشكلة؟
المشكلة تكمن أن وزارتنا الموقرة وبكل أسف لا تستفيد من الخبرات داخل الميدان بل دائماً ما تبحث عن الحل في الخارج،أذكر أن الوزير السابق محمد الرشيد في لقاء تلفازي ذكر أنهم حاولوا الاستعانة بدار استشارية عالمية لوضع مقترحات لتطوير التعليم فكان مما قالوه له وللوفد المرافق له إنكم أقدر الناس على تقدير احتياجاتكم ووضع خططكم من أي مؤسسة من خارج بلادكم فاعتمدوا على أنفسكم .فلماذا تسعى وزارتنا الآن للاستيراد من الخارج؟
كما أن من أهم مشكلات وزارتنا الموقرة أن كثيراً من المناصب القيادية في الوزارة وفي إدارات التربية والتعليم جاءت من خارج ميدان التعليم العام ومنهم أساتذة جامعات-وجميع هؤلاء على جلالة قدرهم- يحتاجون سنوات لإدراك مشكلات الميدان ويضطرون للبحث عن حلول من الخارج في بيئات مختلفة ثم يحاولون استنساخ تلك الحلول والتجارب ليصبح الميدان التربوي مختبرا كبيرا للتجارب التربوية من الشرق والغرب وبعد عثورهم على ما يعتقدونه مناسباً يصدمون بأنه يناقض في جوانب منه ثقافة مجتمعنا أو يناقض بعض الأنظمة السابقة فيضطرون لعمليات قص ولصق حتى أصبح واقعنا التربوي كما قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله :مزق مرقعة ورقع ممزقة؛والمشكلة أن هذه التجارب تعلو بعضها بعضا بشكل تراكمي حتى أصبح نظامنا التعليمي كوجه غير واضح المعالم لكثرة عمليات التجميل والترميم.
وهذا ما أدى إلى وجود حالة عدم تجانس بين أنظمة الوزارة التي تقر برنامجا أو خطة ثم بعد سنوات تضيف تنظيما جديدا أو برنامجا آخر دون إلغاء السابق وتجد نفسك حينما تكون مسئولا في الوزارة أو مدير إدارة أو مدرسة بحاجة إلى وضع أرشيف متكامل لتتبع نظاما صدر في هذا العام يحيلك إلى تعميم صدر قبل خمس سنوات لتكتشف أنه مبني على نظام صدر قبل عشرين سنة في دوامة تعرف بدايتها ولا تعلم أين نهايتها.
وفي حالتنا هذه-كنتيجة لما سبق- وهي إيكال الصفوف الأولية للمعلمات تسعى الوزارة لحل مشكلة تدني مستوى المعلمين وأثر ذلك في تدني مستوى الطلاب لكن هذا الحل سبب لها مشاكل أخرى ستقابل الوزارة أولها مشكلة المباني المدرسية التي هي أصلا مشكلة قائمة لدى الوزارة ،أضف إلى ذلك أن مستوى الطلاب الذي عالجته الوزارة في الصفوف الأولية ستواجهه حينما ينتقل هؤلاء الطلاب إلى الصفوف العليا حينما يقابلون نفس المعلمين الذين هربنا منهم أولاً فهل ستضطر الوزارة بعد ذلك إلى توفير معلمات لهم في الصفوف العليا ؟
كما أن الوزارة-على المستوى الاجتماعي- وإن حلت مشكلة البطالة لدى النساء فإنها ستسبب بلا شك بمشكلة بطالة عدد كبير من الرجال فكيف ستحل هذه المشكلة مستقبلاً ؟
ثم إن الجانب التربوي الخلقي والسلوكي لدى الطلاب سيتأثر سلباً بدون شك نظراً لأهمية أسلوب التعلم بالتقليد والمحاكاة وتقمص النماذج السلوكية العملية التي يتعامل معها الطلاب في هذه المراحل ،و أذكر أني كنت ذات مرة أستمع لبرنامج في إذاعة البحرين عن مشكلات الطلاب وقد تكلم أحد الآباء وطرح مشكلته والتي تكمن في أن الطلاب في الصف الرابع يتصفون بالرقة الزائدة والنعومة نظراً لتأثرهم بمعلماتهم في الصفوف الأولية.
أضف إلى ذلك مشكلة ذكرها بعض من كتب في هذا الموضوع حينما ينتقل الطلاب الذي درسوا لدى معلمات حينما ينتقلون ليزاملوا طلابا تعودوا على مدارس البنين فيكونون الأضعف بين زملائهم ويكونون عرضة للأذى بشكل مستمر .
ومشكلة أخرى ذكرتها بعض الدراسات التي تقول إن المعلمة تتقمص شخصية المعلم -الرجل – حينما تدرس الذكور ولهذا ماله من آثار على المعلمة وعلى الطلاب.
ومن المشكلات التي ذكرت أن تجاوب الطلاب الذكور يتصف بعدم المبالاة مع المعلمات نتيجة طبقات صوت المعلمة التي لا تحفز الطلاب الذكور ولا تحرك دافعيتهم أثناء الدرس.
وهل تستطيع المعلمات كبح جماح الطلاب الذكور الأشقياء الذين يتفنون في الشقاوة التي تميز سنيهم الأولى ، وبخاصة في الأوقات التي تعاني منها المعلمة من أعراض الدورة الشهرية التي أوصلها بعضهم إلى مئات الأعراض،وكيف تصنع المعلمة الحامل مع هؤلاء الأشقياء؟
أرأينا كيف أن محاولة حل مشكلة واحد أدى إلى فتح الباب لمشكلات كثيرة نحن في غنى عنها ،ألا يجب بعد ذلك أن تصحح وزارتنا الموقرة نظرية حبشي في الوصول إلى أذنها الأدنى من خلال الاستفادة من خبرات العاملين في الميدان والذين يعرفون أكثر مما يعرفه بعض ذوي المناصب الذي يتضح أن كثيراً منهم يتأثر بضغط وسائل الإعلام وهي تغني على ليلاها التي ترغب في تعيينها معلمة صبيان .
نأمل من وزارتنا الموقرة أن تطبق دراسات موسعة من داخل الميدان على مستوى جميع مدارس مملكتنا الغالية يقوم بها معلمون ومديرو مدارس ومشرفون تربويون رجالاً ونساءً تحت سمع وبصر الوزارة وبإشراف تربويون مختصون لتتضح الصورة بجميع أبعادها أما أن تتعجل الوزارة في اتخاذ إجراءات أول من يخالفها هم المعلمون وأولياء الأمور وسياسة التعليم وفتاوى العلماء فأظن أن هذا فيه بعد عن وظيفة الوزارة الحقيقية في تقديم خدمة التربية والتعليم لمجتمع استأمنها على فلذات أكباده.
وحينما تغفل الوزارة عن المشكلات التي ستظهر في المستقبل فلن يعفيها أو يسامحها أحد على تقصيرها فالله الله في دراسة الوضع وعدم التعجل، نسأل الله أن يوفق وزارتنا لما فيه صلاح التربية والتعليم وأن يعينهم على أداء رسالتهم على أكمل وجه للنهوض بمجتمعنا كما يحب كل مؤمن ومخلص،والحمد لله أولا و آخراً.
كتبه أبوبكر بن محمد
14/6/1431هـ
Kmys99@yahoo.com